الياس شوفاني

93

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

عليه ، برز عدد من القادة العسكريين ، أدّوا دورا مركزيا في إدارة الصراع ، مثل جدعون وأبيميلخ ، لكنهم لم يتوصلوا إلى الملكية . ولم يفلح كل الضغط الخارجي على الإسرائيليين في حينه ، في حملهم على التنازل عن قبليتهم . لقد تساندت القبائل للقتال ضد العدو المشترك من سكان المدن الكنعانية المتحضرة . لكن الروابط الذاتية بينها لم تكن من القوة بحيث تشكل أساسا لوحدة سياسية اندماجية . وبعد منتصف القرن الحادي عشر قبل الميلاد ، عندما تفاقم الضغط على القبائل الإسرائيلية في الجبال الوسطى - الفلسطيون من الغرب والعمونيون من الشرق - نضجت في وقت الشدة الأوضاع لقيام الملكية على تلك القبائل . ففي هذه الفترة توغل الفلسطيون في المنطقة الجبلية ، ووصلوا إلى شيلو ، المركز الديني للقبائل الإسرائيلية ، واحتلوها وخربوها وأخضعوا المنطقة لحكمهم . في المقابل ، قام ناحاش ، ملك العمونيين ، بإخضاع القبائل في منطقة الجلعاد ، التي كانت تربطها علاقات قربى بسبط بنيامين ، الذي منه خرج شاؤول ، أول ملك لإسرائيل . وقد نصّبه في هذا الموقع صموئيل ( شموئيل ) ، النبي الذي حمل لواء المقاومة ضد الفلسطيين ، في الجبال الوسطى ، حيث أقامت قبيلتا بنيامين وإفرايم . واستطاع شاؤول ( 1020 - 1004 ق . م . ) ، بالاعتماد على أبناء قبيلته بداية ، ومن خلال تكتيكات عسكرية سريعة ومفاجئة ، أن يهزم العمونيين ويصدهم عن الجلعاد . ثم توجه نحو الحاميات الفلسطية الصغيرة في المنطقة الجبلية ، فطردها إلى الساحل . وراح بعد ذلك يوسع حدود نفوذه في الاتجاهات جميعها : الجبعونيون في الغرب والعمالقة في الجنوب وأبناء لوط وقيدم في الشرق . وأخيرا ، دحر الفلسطيين بالقرب من بيت جبرين ، في المعركة التي بحسب الرواية التوراتية انتصر فيها داود على جليات بالمقلاع . والواضح أن شاؤول لم ينجح في إقامة الوحدة بين القبائل الإسرائيلية ، كما أن حدود ملكه غير واضحة تماما . ومقدار التزام القبائل بملكه يتضح من خلال الحقيقة التاريخية أن هذه القبائل لم تعد إلى استقلاليتها بعد زوال الخطر الخارجي فحسب ، بل إلى الصراع بين بعضها البعض بشأن الأرض التي وقعت في أيديها . وبغض النظر عن الجانب الأسطوري في القصة ، فالواضح أن داود قد برز كقائد عسكري في هذه المعركة ، وأخذت شعبيته تتسع ، الأمر الذي أثار حقد شاؤول عليه ، وخصوصا بعد أن فشل هذا الأخير في ضمان ولاء القبائل له ولذريته كملك . وتفاقم الوضع بين الاثنين ، على خلفية قبلية ، إذ كان داود ينتمي إلى سبط يهودا ، البعيد في الجنوب على حدود الفلسطيين ، والذي رفض الانصياع لرغبة شاؤول في تنصيب نفسه